تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

87

نظرية المعرفة

وتفريع فروع لم تسمع ، وإحداث طريق للبحث والتحليل لم يشاهد . وفي ظل هذه الجهود المتمادية من فلاسفة الإسلام ، بلغت الفلسفة الموروثة من مائتي مسألة إلى سبعمائة مسألة فلسفية عقلية فكرية « 1 » ، مضافاً إلى التحوّل الّذي أوجدوه في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية . الفلسفة الإسلامية والواقعية الموضوعية إنّ من الظلم الفاحش رمي أُمّة كبيرة تحتل هذه المكانة السامية في الحضارة الإنسانية - رميها - بالمثالية والسفسطة . وليس شيء أدلّ من نتاجهم العلمي الموجود بأيدي الجميع ، على بطلان هذا الافتراء . وهذا كتاب المسلمين يوقظ شعورهم ، ويدعوهم إلى الاعتماد على السمع والبصر ، وفي الوقت نفسه إلى التعقل والتفكر ، يقول : « وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » « 2 » . فذِكْر السمع والأبصار كنموذج ، يعرّفنا موقف أدوات الحسّ . كما أنّ ذكر الأفئدة يُعرب عن مقام الفؤاد وهو العقل ، في مجال المعرفة . ويُستنتج من هذه الآية أنّ الإنسان يأتي إلى الدنيا خالي الذهن من كلّ علم ومعرفة حتّى المعارف البديهية والأوليّة ، وإنّما يكتسب ما يكتسبه بعد اتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة . ولو فرضنا انعدام تلك الأدوات ، لما حصلت للإنسان أية معرفة متعلقة بما سوى ذاته . وقد يتوهم ممّا ذكرنا أنّ الآية تنفي المعلومات الفطرية المودعة في ذات الإنسان ، ولكنه توهّم باطل ، لأنّ الآية الكريمة ترمي إلى نفي كل معرفة فعلية للإنسان حين ولادته ومجيئه إلى الدنيا ، وهذا لا ينافي وجود معلومات فطرية مختمرة

--> ( 1 ) . مقالة العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي بمناسبة مرور أربعمائة سنة على ميلاد صدر المتألهين . ( 2 ) . النحل : 78 .